أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

145

شرح مقامات الحريري

إنّما أزرى بقدري أنني * لست من بابة أهل البلد ليس منهم غير ذي مقلية * لذوي الألباب أو ذي حسد يتحامون لقائي مثل ما * يتحامون لقاء الأسد مطلعي أثقل في أعينهم * وعلى أنفسهم من أحد لو رأوني وسط بحر لم يكن * أحد يأخذ منهم بيدي وقال البحتريّ : [ الوافر ] أشرّق أم أغرّب يا سعيد * وأنقص من زماعي أم أزيد « 1 » عدتني عن نصيبين العوادي * فبختي أبله فيها بليد وأخلفني الزمان على رجال * وجوههم وأيديهم حديد لهم حلل حسن فهنّ بيض * وأخلاق سمجن فهنّ سود وممن نبا به بلده القاضي أبو محمد عبد الوهاب ، خرج من بغداد يريد مصر ، فشيّعه أكابرها ، ومن أصحاب محابرها جملة موفورة ، فقال لهم : واللّه لو وجدت بين أظهركم رغيفين كلّ يوم ، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية ، والخبز عندهم يومئذ ثلاثمائة رطل بدينار ، وقال : [ الطويل ] سلام على بغداد منّي تحيّة * وحقّ لها مني السّلام المضاعف لعمرك ما فارقتها قاليا لها * وإني بشطّي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت عليّ برحبها * ولم تكن الأقدار ممّن يساعف فكانت كخلّ كنت أهوى دنوّه * وتأبى به أخلاقه فيخالف وقال أيضا : [ البسيط ] بغداد دار لأهل المال واسعة * وللمفاليس دار الضّنك والضيّق قد صرت أمشي مهانا في أزقّتها * كأنني مصحف في كفّ زنديق قوله : الوهاد والقنن : الانخفاض والارتفاع ، والقنة : أعلى الجبل ، والوهدة القعدة من الأرض تجري إليها مياه جهاتها . حضنا : جانبا حصينا مانعا . أربأ ، أي ارتفع . يغشاك : يغطيّك . الدّرن : الوسخ المعاهد : منازل سكناء . الحنين : الشوق . السّكن : الأهل . الأصداف : محالّ الجوهر . يستزرى : يستحقر . يبخس : ينقص ، ومعنى هذه الأبيات يقول : أرحل عن بلد يعلو فيه قدر أصاغر الناس قدر أكابرهم ، ولا تقم فيه على الهوان ، وارفع قدر نفسك من أن تقيم بموضع توسّخك فيه الإهانة ، فإنّ المرء حيث يضع

--> ( 1 ) الأبيات في ديوان البحتري ص 580 .